افتتاحية: الحرب والبيئة
(بنوم بنه): تؤدي الحرب العدوانية إلى جرائم بيئية. إن استخدام القوة العسكرية في الحرب العدوانية لانتهاك السلامة الإقليمية لدولة ذات سيادة أخرى لا يُعد انتهاكاً لحقوق الإنسان والقانون الدولي فحسب، بل هو أيضاً جريمة ضد البيئة.
تسببت هذه العملية أضرار ا جسيمة وطويلة الأمد للنظم البيئية، وتلوث بيئي، وتدمير كبير للتنوع البيولوجي، وهي أضرار لا يمكن إصلاحها. ولا تقتصر هذه الآثار على ساحة المعركة فقط، بل قد تستمر لأجيال كثيرة. هذا العدوان، الذي يُعد جريمة بيئية، يستلزم مسؤولية أكبر لحماية البيئة والموارد الطبيعية، واهتماماً أكبر أثناء النزاعات، بما في ذلك التزام عالمي بالسلام، لتعزيز سيادة القانون وضمان استدامة البيئة والموارد الطبيعية للأجيال الحالية والمستقبلية.
1- تدمير النظم البيئية والموائل الطبيعية
تُعدّ العمليات العسكرية التي تُسبب الحروب سببًا رئيسيًا للأضرار الجسيمة التي تلحق بالنظم البيئية والموائل الطبيعية. فقد أدى استخدام الأسلحة الثقيلة، والأبخرة السامة، والقصف، وغيرها من الأنشطة العسكرية، إلى تدمير الغابات والأراضي الزراعية والأنهار والمناطق البحرية التي تُشكّل أساس حياة الإنسان والحياة البرية والأسماك. وعندما تُدمّر النظم البيئية، ينهار التوازن الطبيعي، مما يُؤدي إلى فقدان التنوع البيولوجي وانقراض العديد من أنواع الحيوانات والنباتات. وإلى جانب الأضرار المباشرة، تُسبب الحروب أيضًا تلوثًا بيئيًا خطيرًا.إذ يُمكن أن تتسرب الأسلحة والمواد الكيميائية والنفط وغيرها من المواد العسكرية إلى التربة ومصادر المياه، مما يُهدد صحة الإنسان والحيوان.كما يُؤدي تدمير الموائل الطبيعية إلى حرمان الحياة البرية من موائلها وغذائها، مما يُجبرها على النزوح أو النفوق. وفي الوقت نفسه، تتأثر المجتمعات البشرية التي تعتمد على الموارد الطبيعية، فتفقد أراضيها الزراعية ومصادر معيشتها اليومية. وقد تستمر هذه العواقب من جيل إلى جيل، مُسببةً مشاكل بيئية واجتماعية واقتصادية مُعقدة.
2: تلوث الأرض والهواء والماء والضوضاء
تُعدّ الحروب العدوانية سببًا رئيسيًا للتلوث البيئي واسع النطاق، لا سيما في البر والجو والماء. وقد أدّى استخدام الأسلحة والقصف والأنشطة العسكرية ومخلفات الحرب إلى إطلاق مواد سامة في البيئة، مما تسبب في آثار طويلة الأمد على صحة الإنسان والنظم البيئية وسبل عيش المجتمعات.
- يحدث تلوث التربة نتيجة لمخلفات الأسلحة والذخائر غير المنفجرة والمواد الكيميائية والزيوت المتسربة من المركبات العسكرية. يمكن لهذه المواد أن تتسرب إلى التربة، مُلحقةً الضرر بالتربة الزراعية، ومسببةً تلف المحاصيل، ومُهددةً الأمن الغذائي. في العديد من المناطق، قد يستمر تلوث التربة الناتج عن مخلفات الحرب لعقود، ويصعب تنظيفه.
- يحدث تلوث الهواء نتيجة للغبار والغازات الكيميائية السامة التي تتناثر من الطائرات الحربية أو تنبعث من انفجار واحتراق المعدات العسكرية. يمكن للأبخرة السامة والجسيمات الدقيقة أن تؤثر على الجهاز التنفسي وتسبب أمراضًا مزمنة. كما يمكن أن ينتشر تلوث الهواء بعيدًا عن مناطق الحرب عبر الهواء، مُؤثرًا على المناطق المجاورة.
- يُعدّ تلوث المياه مشكلة خطيرة لا يُمكن تجاهلها. يمكن أن تتسرب النفط والمواد الكيميائية ومخلفات الحروب إلى مصادر المياه الطبيعية التي يعتمد عليها الإنسان والحيوان، كالأنهار والبحيرات والمحيطات، مما يُدمر الحياة المائية ويجعل مصادر المياه النظيفة غير صالحة للشرب. وتتأثر المجتمعات التي تعتمد على المياه للشرب والزراعة والصرف الصحي بشدة، وتكون عرضة لخطر الأمراض المعدية.
يُعدّ التلوث الضوضائي مشكلة بيئية تحدث عندما تتجاوز مستويات الضوضاء المستويات الطبيعية، مما يؤثر على صحة الإنسان والحيوان والبيئة المحيطة. وفي حالات الحرب، يكون التلوث الضوضائي شديدًا بشكل خاص، لا سيما الناتج عن القصف والمدفعية الثقيلة والطائرات المقاتلة. تُصدر هذه المواد أصواتًا عالية للغاية يمكن سماعها على بُعد كيلومترات عديدة. وقد تُسبب هذه الأصوات شعورًا بالخوف والقلق والتوتر، وقد تؤدي إلى فقدان السمع مؤقتًا أو دائمًا. أما بالنسبة للحياة البرية، فيُمكن أن يُعطّل الضجيج حياتها الطبيعية، مما يدفعها إلى الفرار من مواطنها، وفقدان أماكنها للبحث عن الطعام والتكاثر.
3: استغلال الموارد الطبيعية وإساءة استخدامها
كثيراً ما تلجأ القوات الغازية إلى سرقة الموارد الطبيعية أو استخدامها، كالحياة البرية والأخشاب والمعادن والنفط والمياه، لدعم العمليات العسكرية أو لتحقيق الربح. ويتسبب قطع الأشجار غير القانوني والتعدين غير المنظم واستخراج النفط أضرار ا جسيمة للبيئية ، ويحرم المجتمعات المحلية من مواردها الأساسية، مما يطيل أمد النزاع. إن حماية الموارد الطبيعية والحفاظ عليها أثناء الحرب يضمن بقاء البشر والحيوانات والنظم البيئية لأجيال بعد انتهاء الحرب.
4: التأثير على الحياة البرية والتنوع البيولوجي
يؤدي التدمير العسكري، وتدمير الموائل، ونزوح السكان إلى إثارة الخوف في نفوس الحيوانات البرية، وإلى انقراض أنواع الحيوان المهددة بالانقراض، مما يدفعها إلى الفرار أو النفوق. وغالباً ما تتحول المحميات الطبيعية والحدائق الوطنية، التي تُعد ممرات حيوية للحفاظ على البيئة، إلى ساحات معارك أو مناطق فوضى وصعوبة في الإدارة والحماية، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى الصيد الجائر وفقدان العديد من الأنواع النادرة. ويؤدي هذا الفقدان للتنوع البيولوجي إلى إضعاف النظم البيئية، ويجعل استعادتها أمراً بالغ الصعوبة. تُعد الحرب مشكلة خطيرة تؤثر بشكل كبير على الإنسان والمجتمع والبيئة. ووفقاً لتقرير صادر عن الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، لا تقتصر آثار الحرب على الخسائر البشرية فحسب، بل تُلحق أيضاً أضراراً جسيمة بالحياة البرية والتنوع البيولوجي، مما يُخلّف آثاراً طويلة الأمد على النظم البيئية. وتؤدي الحرب إلى تدمير موائل الحياة البرية، حيث ألحق القصف وبناء القواعد العسكرية وإزالة الغابات أضراراً بالغة بالغابات والأراضي الرطبة والمناطق المحمية. ويُعد فقدان الموائل، بحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة، سبباً رئيسياً في تراجع أعداد العديد من أنواع الحياة البرية أو انقراضها. إضافة إلى ذلك، تُسبب الحرب تلوثاً بيئياً خطيراً. يمكن أن تُلوِّث الأسلحة والمواد الكيميائية ومخلفات الوقود الناتجة عن العملية العسكرية التربة والمياه والهواء. وتشير وثائق برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن هذه الملوثات تقتل العديد من الحيوانات والنباتات المائية وتُخلّ بالتوازن البيئي. إضافةً إلى ذلك، تُضعف الحروب إدارة الموارد الطبيعية والمناطق المحمية. ففي مناطق النزاع، تعجز السلطات عن إنفاذ قوانين حماية الحياة البرية بفعالية، مما يؤدي إلى زيادة الصيد والتجارة غير المشروعة في الحياة البرية، الأمر الذي يُفضي إلى فقدان سريع للتنوع البيولوجي.
5: الآثار طويلة الأمد على المناخ والصحة
تساهم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن العملية الحربية في تغير المناخ الإقليمي والعالمي من خلال إزالة الغابات لأغراض عسكرية، وحرائق الغابات والذخائر، وحرق الوقود الأحفوري والأسلحة الكيميائية والإشعاعية، واستخدام الطائرات الحربية والدبابات والسفن الحربية، والقصف. وقد تسببت هذه الانبعاثات في أزمات مناخية، بما في ذلك الكوارث الطبيعية، والجفاف، واستنزاف الموارد (التربة والمياه، وتلوث الهواء، واستنزاف طبقة الأوزون، والاحتباس الحراري)، وتشكل مخاطر الإصابة بأمراض خطيرة وحادة مثل السرطان، والعيوب الخلقية، والأمراض الجلدية الحادة، وأمراض الجهاز التنفسي، وتلف الكلى، والأمراض العقلية، وضعف جهاز المناعة، والطفرات الجينية والخلوية، والأمراض المعدية، وسوء التغذية، وغيرها.
كما أدى تدمير البنية التحتية، كالجسر والطرق والمستشفيات والمساكن، نتيجة حرب العدوان، وما نتج عنه من نقص في الغذاء والماء، والجوع، والأمراض، إلى تضخم الأعباء على الدول الأقل نمواً، مثل كمبوديا، في التكيف مع تغير المناخ.
6: انتهاك التزامات حماية البيئة
في حالة العدوان المسلح لتحقيق أهداف عسكرية، لا يُحترم القانون الدولي البيئي. وللتقليل من هذه الآثار السلبية، ينبغي على الدول احترام القانون الدولي وتعزيز حماية البيئة، حتى في حالات النزاع. فحماية البيئة هي حماية لأرواح ومستقبل البشرية جمعاء.
7: القانون الدولي والمبادئ المتعلقة بالبيئة والحرب
يوفر القانون الدولي حمايةً رئيسية للبيئة الطبيعية أثناء النزاعات المسلحة. وتتجلى هذه الحماية في القانون الدولي الإنساني، والقانون الجنائي الدولي، والمبادئ البيئية الأساسية، كما هو موضح أدناه:
أ. القانون الدولي الإنساني
في إطار القانون الدولي الإنساني، يوفر البروتوكول الإضافي الأول (1977) لاتفاقيات جنيف لعام 1949 حمايةً خاصة للبيئة الطبيعية.
- المادة 35(3): يُحظر استخدام أساليب أو وسائل الحرب التي تُلحق، عمدًا أو مع توقع إلحاق ضرر جسيم وطويل الأمد بالبيئة الطبيعية.
- المادة 55(1): يجب توخي الحذر في زمن الحرب لحماية البيئة الطبيعية من الضرر الجسيم وطويل الأمد الناجم عن الحرب. ويُحظر شنّ هجمات على البيئة الطبيعية انتقاما على العدوان.
ب. القانون الجنائي الدولي
وفقًا للمادة 8(2)(ب)(4) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يُعدّ شنّ هجوم عمدًا مع العلم بأن هذا الهجوم سيؤدي إلى خسائر فادحة في الأرواح أو إصابات بين المدنيين، أو إلحاق أضرار بالأعيان المدنية، أو إلحاق ضرر جسيم طويل الأمد بالبيئة الطبيعية، وذلك في ضوء الميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة، جريمة حرب.
ج- المبادئ البيئية
يقر المبدأ 24 من إعلان مدينة ريو بشأن البيئة والتنمية (1992) بأن الحرب مدمرة للتنمية المستدامة. ولذلك، يتعين على الدول احترام القانون الدولي الذي ينص على حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة، والتعاون في مزيد من التنمية حسب الضرورة.
8: الخاتمة والنداءات
في جوهرها، لا تُحقق الحرب أي نتائج إيجابية للبيئة، بل تُلحق الدمار بالحيوانات والبشرية جمعاء. لذا، ينبغي حل جميع النزاعات سلميًا عبر آليات التفاوض والمبادئ القانونية، حفاظًا على السلام والوئام بين الشعوب، وبين الإنسان والطبيعة. إن حماية البيئة أثناء النزاعات ليست خيارًا، بل واجب إنساني. علينا العمل معًا لتعزيز تطبيق القانون الدولي، وزيادة الالتزام
العالمي بالسلام
.Source: Fresh News









